الاثنين، 5 مارس، 2012

قد يكون حدثاً لا يرى منه إلا الوجه السيء فيكون خيراً ونحن لا نعلم

     وهي عنده أ     تأمل معي الحوداث التالية وكيف لو أننا تعاملنا معها بإحباط واستسلام :
     -  تبدأ الأحداث من عند الفاجعة العظمى التي ابتليت بها  أمة الإسلام عندما اجتاح التتر المتوحشون بلاد الإسلام وأسقطوا حاضرة الخلافة العباسية بغداد وقتل الخليفة وأولاده ومعهم قرابة مليوني مسلم وذلك سنة 656هـ، لقد أحجم في البداية العلماء المعاصرون عن الكتابة عن محنة التتار لهول الفاجعة، فبقي (ابن الأثير) عدة سنين معرضا عن ذكرها استعظاما لها، وهو القائل: (فيا ليت أمي لم تلدني، ويا ليتني مت قبل حدوثها وكنت نسيا منسيا).
     ويقول أيضا: (فلو قال قائل إن العالم منذ خلق الله        سبحانه وتعالى –  آدم وإلى الآن لم يبتلوا بمثلها لكان صادقا، فإن التواريخ لم تتضمن ما يقاربها ولا ما يدانيها).
عظم من فـتنة الدجال.
      بل لقد أقسم أن من سيجيءُ بعدها سينكرها وحق له ذلك، يقول رحمه الله : (وتالله لا شك أن من يجيء بعدنا إذا بعُد العهد، ويرى هذه الحادثة مسطرة ينكرها ويستبعدها، والحق بيده، ولم ينل المسلمين أذى وشدة منذ جاء النبي صلى الله عليه و سلم إلى هذا الوقت مثل ما دفعوا إليه الآن).
      هذا الوصف كله من ابن الأثير، وهو لم يشهد فاجعتهم الكبرى بسقوط بغداد سنة (656هـ) ، ويمكن القول إنها فتن يرقق بعضها بعضًا وسيتضح حين الحديث عن حجم مآسيها وضخامة أحداثها.
      كما أن ابن الأثير لم يشهد كذلك أحداث التتر في نهاية القرن السابع الهجري (699هـ)، حين عبروا الفرات إلى بلاد الشام وما حولها، وما حصل للمسلمين في هذه الفترة من البلاء والمحن، حتى أذن الله بزوال هذه المحنة، وكشف الله عن المسلمين هذه الغمة، وهي فتنة بليت فيها السرائر، وانقسم الناس فيها فِرَقا شتى، وقد أجاد شيخ الإسلام ابن تيمية وهو شاهد عيان في وصف الحدث وهوله، وموقف الناس بإزائه فقال: (فينبغي للعقلاء أن يعتبروا بسنة الله وأيامه في عباده، ودأب الأمم وعاداتهم، لا سيما في مثل هذه الحادثة العظيمة التي طبق الخافقين خبرها، واستطار في جميع ديار الإسلام شررها، وأطلع فيها النفاق ناصية رأسه، وكشر فيها الكفر عن أنيابه وأضراسه، وكاد فيها عمود الكتاب أن يُجتث ويخترم ، وحبل الإيمان أن ينقطع ويصطلم، وعقر دار المؤمنين أن يحل بها البوار، وأن يزول هذا الدين باستيلاء الفجرة التتار، وظن المنافقون والذين في قلوبهم مرض أنما وعدهم الله ورسوله إلا غرورا، وأن لن ينقلب حزب الله ورسوله إلى أهليهم أبدا، وزين ذلك في قلوبهم، وظنوا ظن السوء وكانوا قوما بورا، ونزلت فتنة تركت الحليم فيها حيران، وأنزلت الرجل الصاحي منزلة السكران، وتركت الرجل اللبيب لكثرة الوسواس ليس بالنائم ولا اليقظان، وتناكرت فيها قلوب المعارف والإخوان، حتى بقي للرجل بنفسه شغل عن أن يُغيث اللهفان، ومّيز الله فيها أهل البصائر والإيقان من الذين في قلوبهم مرضٌ أو نفاقٌ وضعفُ إيمان، ورفع بها أقواما إلى الدرجات العالية، كما خفض بها أقواما إلى المنازل الهاوية، وكفَّر بها عن آخرين أعمالهم الخاطئة، وحدث من أنواع البلوى ما جعلها قيامة مختصرة من القيامة الكبرى.
     وكـان من الناس من أقصـى همتِه النجـاةُ بنفسه؛ لا يلوى على ماله ولا ولده ولا عرضه، كما أن منهم من فيه قوة على تخليص الأهل والمال، وآخر فيه زيادة معونة لمن هو منه ببال، وآخر منزلته منزلة الشفيع المطاع، وهم درجات عند الله في المنفعة والدفاع، ولم تنفع المنفعة الخالصة من الشكوى إلا الإيمان والعمل الصالح، والبر والتقوى، وبليت فيها السرائر، وظهرت الخبايا التي كانت تكنها الضمائر، وتبين أن الهرج من الأقوال والأعمال بخون صاحبه أحوج ما كان إليه من المآل، وذم سادته وكبرائه من أطاعهم فأضلوه السبيلا.
     كما حمد ربه من صدق ما جاءت به الآثار النبوية من الأخبار بما يكون، ووطأتها قلوب الذين هم في هذه الأمة محدثون، كما تواطأت عليه المبشرات التي رآها المؤمنون، وتبين فيها الطائفة المنصورة الظاهرة على الدين، الذين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم إلى يوم القيامة؛ حيث تحزبت الناس ثلاثة أحزاب: حزب مجتهد في نصر الدين، وآخر خاذل له، وآخر خارج عن شريعة الإسلام.
     وانقسم الناس ما بين مأجور ومعذور، وآخر قد غره بالله الغرور، وكان هذا الامتحان تمييزا من الله وتقسيما؛       { لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِن شَاء أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا}(سورة الأحزاب:24)).
     كما كان دقيقا في وصف أحوال المسلمين ومواقفهم حين غزى التتر بلاد الشام، فقال: (وهكذا هذا العام     جاء العدو من ناحيتي علو الشام، وهو شمال الفرات، وهو قبلي الفرات، فزاغت الأبصار زيغاً عظيما، وبلغت القلوب الحناجر، لعظم البلاء ، لا سيما لما استفاض الخبر بانصراف العسكر إلى مصر، وتقرب العدو وتوجه إلى دمشق، وظن الناس بالله الظنونا، هذا يظن أنه لا يقف أمامهم أحد من جند الشام حتى يصطلموا أهل الشام، وهذا يظن أنهم لو وقفوا لكسروهم كسرة وأحاطوا بهم إحاطة الهالة بالقمر، وهذا يظن أن أرض الشام ما بقيت تسكن، ولا بقيت تكون تحت مملكة الإسلام، وهذا يظن أنهم يأخذونها، ثم يذهبون إلى مصر فيستولون عليها، فلا يقف أمامهم أحد، فيحدث نفسه بالفرار إلى اليمن، ونحوها. وهذا إذا أحسن ظنه قال: إنهم يملكونها العام، كما ملكوها عام هولاكو سنة سبع وخمسين، ثم قد يخرج العسكر من مصر فيستنقذها منهم، كما خرج ذلك العام؛ وهذا ظنُّ خيارِهم، وهذا يظن أن من أخبره به أهل الآثار النبوية، وأهل التحديث والبشارات أماني كاذبة، وخرافات لاغية، وهذا قد استولى عليه الرعب والفزع، حتى يمر الظن بفؤاده مر السحاب؛ ليس له عقل يتفهم، ولا لسان يتكلم، وهذا قد تعارضت عنده الأمارات، وتقابلت عنده الإرادات، لا سيما وهو لا يفرق من المبشرات بين الصادق والكاذب، ولا يميز في التحديث بين المخطئ والصائب، ولا يعرف النصوص الأثرية معرفة العلماء، بل إما أن يكون جاهلا بها وقد سمعها سماع العبر، ثم قد لا يتفطن لوجوه دلالتها الخفية، ولا يهتدي لدفع ما يتخيل أنه معارض لها في بادئ الروية.
     فلذلك استولت الحيرة على من كان متسما بالاهتداء، وتراجمت به الآراء تراجم الصبيان بالحصباء، { هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا}(سورة الاحزاب:11)).
     (أمـا المنافقون فلهم شأن آخر، ولهم موقف لا يختلف كثيرا عن مواقف أسلافهم في غزوة الأحزاب حين ابتلي المؤمنون، وبلغت القلوب الحناجر، وظنوا بالله الظنونا وكانوا شيعا؛ فمنهم من قال: ما بقيت الدولة الإسلامية تقوم فينبغي الدخول في دولة التتر، وقالت بعض الخاصة: ما بقيت أرض الشام تسكن بل ننتقل عنها إما إلى الحجاز واليمن وإما إلى مصر، وقال بعضهم: بل المصلحة الاستسلام لهؤلاء كمـا قد استسلم لهم أهـل العراق والدخـول تحت حكمهم).
          عبر هولاكو بجيوشه الجرارة نهر الفرات ثم اتجه إلى حلب فحاصرها سبعة أيام ثم استسلم أهلها فغدر بهم وأعمل فيهم القتل والسبي فانخلع قلب ملك حماة فأرسل إليه مفاتيح البلد ثم اتجه هولاكو بعدها مباشرة وجعل قائد جيوشه كتبغانوين ولم يجد كتبغا أي مقاومة تذكر في المدينة فدخلوها سريعاً بل تلقاهم كبار المدينة بالرحب والسعة وكتب هولاكو أماناً لأهل البلد ولكن قلعة المدينة لم تستسلم فأحكم عليها التتار الحصار ونصبوا عليها المجانيق وفيهم منجنيق عملاق وظلوا يضربون القلعة ليل نهار حتى تداعت أحجارها وسقطت في (14)جمادى الأول فقتلوا متولي القلعة بدر الدين بن قراجا ونقيبها جمال الدين بن الصيرفي ثم سلموا البلد لأمير منهم يقال له إبل سيان ومن هنا تبدأ فصول معاناة جديدة.
    كان هذا الرجل لعنه الله معظماً لدين النصارى فاجتمع به أساقفة النصارى في دمشق فعظمهم جداً وزار كنائسهم فصارت لهم دولة وصولة بسبب ذلك حيث ذهب طائفة من النصارى إلى هولاكو وأخذوا معهم هدايا وتحفاً فأعطاهم أماناً وفرماناً من جهته فدخلوا من باب توما ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس وهم ينادون بشعارهم ويقولون "ظهر الدين الصحيح دين المسيح" ويذمون دين الإسلام وأهله ومعهم أواني فيها خمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمراً ويرشون على وجوه الناس وثيابهم ويأمرون كل من يجتازون به الأزقة والأسواق أن يقوم لصليبهم ودخلوا من درب الحجر الصغير والكبير ووقفوا عند رباط الشيخ أبي البيان ورشوا عنده خمراً فتكاثر عليهم المسلمون حتى ردوهم إلى سوق كنيسة مريم فوقف خطيبهم إلى دكة دكان في عطفة السوق فمدح دين النصارى وذم دين الإسلام ثم حاولوا دخول الجامع الكبير بخمر وكان في نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا المساجد ، فقتلوا جميع من قدروا عليه من الرجال والنساء والولدان والمشايخ والكهول والشبان، ودخل كثير من الناس في الآبار وأماكن الحشوش، وقنى الوسخ، وكمنوا كذلك أياماً لا يظهرون.
     وكان الجماعة من الناس يجتمعون إلى الخانات ويغلقون عليهم الأبواب فتفتحها التتار إما بالكسر وإما بالنار.
     ثم يدخلون عليهم فيهربون منهم إلى أعالي الأمكنة فيقتلونهم بالأسطحة، حتى تجري الميازيب من الدماء في الأزقة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
     وكان الرجل يستدعي به من دار الخلافة من بني العباس فيخرج بأولاده نسائه فيذهب به إلى مقبرة الخلال، تجاه المنظرة فيذبح كما تذبح الشاة، ويؤسر من يختارون من بناته وجواريه.
     وكذلك في المساجد والجوامع والربط، ولم ينج منهم أحد سوى أهل الذمة من اليهود والنصارى ومن التجأ إليهم وإلى دار الوزير ابن العلقمي الرافضي ، وطائفة من التجار أخذوا لهم أماناً، بذلوا عليه أموالاً جزيلة حتى سلموا وسلمت أموالهم.
     وبقوا حوالي أربعين يوماً يقتلون المسلمين واختفى الناس ولم يصلوا الصلاة جماعة في بغداد أربعين يوماً ؛ لأنهم يخافون القتل .
     وقد اختلف الناس في كمية من قتل ببغداد من المسلمين في هذه الوقعة.
     فقيل ثمان مئة ألف، وقيل ألف ألف وثمانمائة ألف، وقيل بلغ القتلى ألفي ألف نفس، فإنا لله وإنا إليه راجعون ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
     ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوماً بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشاذ من الناس، والقتلى في الطرقات كأنها التلول، وقد سقط عليهم المطر فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد، وتغير الهواء فحصل بسببه الوباء الشديد حتى تعدى وسرى في الهواء إلى بلاد الشام، فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح، فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون، فإنا لله وإنا إليه راجعون.
     ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقنى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم، وقد أنكر بعضهم بعضاً فلا يعرف الوالد ولده ولا الأخ أخاه، وأخذهم الوباء الشديد فتفانوا وتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى، واجتمعوا تحت الثرى بأمر الذي يعلم السر وأخفى، الله لا إله إلا هو له الأسماء الحسنى.
     هذه مقتطفات مما حكاه الحافظ ابن كثير – رحمه الله – حول ما أصاب المسلمين في غزو بغداد، هذه المآسي وقعت في بغداد حتى سيطر على المسلمين اليأس وشعروا أن التتار قوة لا تهزم، ثم استفاقت الأمة بعد ذلك وقاتلوا التتار وهزموهم وعادت الأمة إلى مجدها ونصرها.
    -   في عام (317هـ ) كان القرامطة يحكمون شرق الجزيرة العربية وذهبوا مع رئيسهم سليمان أبو طاهر القرمطي إلى مكة في اليوم الثامن من ذي الحجة (يوم التروية) فقتل الحجيج في المسجد الحرام ورمى جثثهم في بئر زمزم وعرّى البيت ، وأقام بمكّة ستّة أيّام. وقد رُوِيَ أنّه قد قتل ثلاثين ألفاً من الحجّاج ومن سكّان مكّة، وكان ينشد وهو يقتل الحجّاج والأبرياء من سكّان مكّة:
      أنــــــــا بــــــاللـه و بــــــاللـه أنـــــــــا
                                            يخـــلق الخـــلق وأفنـــيهم أنـــا
     وأخذوا الحجر الأسود ، وقائدهم يقول : " أين الطير الأبابيل ، أين الحجارة من سجيل ؟ "
     ووضعوا الحجر الأسود في شرق الجزيرة لمدة اثنين وعشرين عاماً إلى عام ( 339هـ ) والحجر الأسود خارج مكة يطوف حوله القرامطة ،  يريدون أن ينقلوا كعبتهم إلى هناك .
     وقد سبى ما يقارب الثلاثين ألفاً من النساء والغلمان وبقي في إفساده وقتله للمسلمين وقطع طريق الحجّاج وتقتيلهم حتّى امتنع الناس عن الحجّ كما حصل مع حجّاج بغداد بين عام 319 – 327هـ، حيث لم يذهبوا لتأدية فريضة الحجّ خوفاً منهم ومن بطشهم. وقد حاول الركب العراقي خلال هذه الفترة أكثر من مرّة الذهاب للحج كما حدث عام 323هـ، إلاّ أن تعرّض القرمطيّ لهم وقتل الحجّاج وسبي الحريم جعلهم يقلعون عن محاولاتهم تلك، حتى أمّنهم القرامطة مقابل دفع ضريبة مقدارها خمسة دنانير على كلّ جمل وذلك عام 327هـ، وكانت أوّل مرة يدفع الحاج ضريبة لقاء توجّهه لأداء فرضٍ شرعه اللـه عليه.
    -  الصليبيون حكموا بيت المقدس وأغلقوه لمدة واحد وتسعين عاماً لا تصلى فيه الجمعة ولا الجماعات ، ووضعت الصلبان فوق بيت المقدس من عام ( 492هـ) إلى عام (583هـ).
     وغيرها وغيرها كثير مما حدث للمسلمين ولكن ما هي النتيجة بعد هذه الحوادث الأليمة ؟ النتيجة هي :  النصر والتمكين للمسلمين ، بل زادتهم عزّاً وتمكيناً وقد تكفل اللـه – سبحانه وتعالى – أمر أولئك، وإن كان قد أمهلهم بعض الوقت، فقضى عليهم ومحى ذكرهم وجعلهم عبرة لمن يعتبر، ولم يبقَ في أيّامنا هذه إلاّ بقايا لهم في تلك الديار. وكان المسلمون  يتمثلون قول الله تعالى : { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(سورة آل عمران:139)، وهذا يعطينا أملاً كبيراً بأن واقع الأمة سيتغير بإذن الله .
    فالله تعالى يذكر يعقوب عليه السلام: {وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(سورة يوسف:87)، ويقول – سبحانه وتعالى –في السورة نفسها:{ حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَن نَّشَاء وَلاَ يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ}(سورة يوسف:110). كما أن هذا يعطينا تصوراً عن واقع المسلمين الذي يدفع إلى الأمل ، وأن المستقبل لهذا الدين وأنه سيكون هناك رجعة قوية لهذا الدين ، يقول الله سبحانه وتعالى:} وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُم فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُم مِّن بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ {(سورة النور:55) ، بل لقد وعد الله تعالى بالنصر { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ }(سورة الروم:47) ،{ إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ }(سورة محمد:7)،{قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُّؤْمِنِينَ}(سورة التوبة:14)، هذا وعد من الله تبارك وتعالى لابد أن يتحقق ولابد أن يتم، والذين في قلوبهم مرض أو الذين يسيطر عليهم ضغط الواقع كثيرا ماتغيب عنهم هذه الحقائق في وعد الله تبارك وتعالى.
      فالله ناصرٌ دينه وكتابه    
                                والله كافٍ عبـــده بأمـــان
     والله عز وجل قد وعد بني إسرائيل وحقق لهم ما وعد يقول عز وجل:{إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ }(سورة القصص:4)، ثم قال تبارك وتعالى: {وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِي فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ}(سورة القصص:5-6)، وانظر كيف سارت هذه الأحداث بعد ذلك.
     وقال الرسول  صلى الله عليه و سلممبشراً بنصر الأمة وارتفاع الحق : (( إن الله زوى لي الأرض – أي ضمها لي – فرأيت مشارقها ومغاربها وإن أمتي سيبلغ ملكها ما زوى لي منها ..))( أخرجه مسلم) ،  وقال الرسول صلى الله عليه و سلم : (( ليبلغن هذا الأمر ما بلغ الليل والنهار ، ولا يترك الله بيت مدر ولا وبر ، إلا أدخله الله هذا الدين بعز عزيز أو بذل ذليل ، عزاً يعز الله به الإسلام ، وذلاً يذل به الكفر ))( أخرجه الإمام أحمد في المسند (4/103)، يقول النبي صلى الله عليه و سلم هذا الكلام بعد المحاولات المستمرة لفتنته  صلى الله عليه وسلم عما أوحى الله إليه ، ليفتري عليه غيره ، لقد حاولوا هذه المحاولة في صور شتى.. منها مساومتهم له أن يعبدوا إلهه في مقابل أن يترك التنديد بآلهتهم و ما كان عليه آباؤهم، و منها طلب بعض الكبراء أن يجعل لهم مجلساً غير مجلس الفقراء..
     وعن أبي قبيل قال : " كنا عند عبد الله بن عمرو بن العاص ، وسئل: أي المدينتين تفتح أولاً القسطنطينية أو رومية فقال الرسول صلى الله عليه و سلم : مدينة هرقل تفتح أولاً – يعني القسطنطينية "( رواه أحمد في المسند (2/176) وقال الشيخ أحمد شاكر رحمه الله في حاشيته على المسند (1/131) إسناده صحيح )، ويقول صلى الله عليه و سلم : (( تكون النبوة فيكم ما شاء الله أن تكون ثم يرفعها الله إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة ، فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكاً عاضّاً فتكون ما شاء الله أن تكون ، ثم يرفعها إذا شاء أن يرفعها ، ثم تكون ملكاً جبرياً فتكون ماشاء الله أن تكون ، ثم تكون خلافة على منهاج النبوة – ثم سكت –))( أخرجه الإمام أحمد في المسند (4/273).
والله – سبحانه وتعالى – يقول: {وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً}(سورة النساء:141).
     ولا ينبغي أن ينغلق الذهن على قضية موجودة من القضايا التي تمر بالمسلمين أو الأمة فتصيبنا بالإحباط والكسل ، هذا بالنسبة لواقع الأمة .


وتأمل معي أيضاً  المواقف التالية :
     أصحاب الأخدود هل بقي منهم أحد؟ وهل انتصروا أم  انهزموا بعد ذلك ؟ لقد انتصروا مع أنهم أحرقوا جميعاً ، ودليل انتصارهم أنه لا يوجد في القرآن {ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ}(سورة البروج:11)إلا لهم، ولنتأمل قصتهم كاملة كما رواها الإمام مسلم رحمه الله تعالى بإسناده إلى صهيب رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ((كان ملكٌ فيمن كان قبلكم، وكان له ساحر، فلما كبر – أي: الساحر – قال للملك: إني قد كبرت، فابعث إلي غلاماً أعلمه السحر، فبعث إليه غلاماً يعلمه، وكان في طريقه إذا سلك راهب – كان في طريق الغلام إذا سلك إلى الساحر راهب – فقعد إليه وسمع كلامه، فكان إذا أتى الساحر مرَّ بالراهب وقعد إليه، فإذا أتى الساحر ضربه – لأنه يتأخر عن موعد الدرس، درس السحر – فشكا ذلك إلى الراهب – شكا الغلام إلى الراهب فقال – أي: الراهب – : إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي، وإذا خشيت أهلك فقل: حبسني الساحر، فبينما هو كذلك إذ أتى على دابة عظيمة قد حبست الناس، فقال: اليوم أعلم الساحر أفضل أم الراهب أفضل، فأخذ حجراً فقال: اللهم إن كان أمر الراهب أحب إليك من أمر الساحر، فاقتل هذه الدابة حتى يمضي الناس، فرماها، فقتلها ومضى الناس، فأتى الراهب فأخبره، فقال له الراهب: أي بني أنت اليوم أفضل مني، وقد بلغ من أمرك ما أرى، وإنك ستُبتلى، فإن ابتليت فلا تدل علي، وكان الغلام يُبرئ الأكمه والأبرص، ويداوي الناس من سائر الأدواء، فسمع جليسٌ للملك كان قد عمي فأتاه بهدايا كثيرة – جاء إلى الغلام بهدايا كثيرة – فقال: ما هاهنا لك أجمع إن أنت شفيتني، قال: إني لا أشفي أحداً، إنما يشفي الله عز وجل، فإن آمنت بالله دعوتُ الله فشفاك، فآمن به – الأعمى آمن بالله –  فشفاه الله فأتى الملك – الأعمى جليس الملك، جاء إلى الملك – فجلس إليه كما كان يجلس، فقال له الملك: من رد عليك بصرك؟ قال: ربي، قال: ولك ربٌ غيري – هؤلاء الناس كفرة، مجتمع كافر كانوا يعبدون ملكهم – قال: ربي وربك الله، فأخذه فلم يزل يعذبه حتى دل على الغلام، فجيء بالغلام، فقال له الملك: أي بني قد بلغ من سحرك ما تبرئ الأكمه والأبرص وتفعل وتفعل؟ فقال: إني لا أشفي أحداً إنما يشفي الله فأخذه، فلم يزل يعذبه حتى دل على الراهب، فجيء بالراهب، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فدعا بالمنشار، فوضع المنشار على مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بجليس الملك، فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى فوضع المنشار في مفرق رأسه فشقه به حتى وقع شقاه، ثم جيء بالغلام فقيل له: ارجع عن دينك، فأبى، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه –من حاشيته وجنده – فقال: اذهبوا به إلى جبل كذ وكذاا – سمى لهم جبلاً – فاصعدوا به الجبل فإذا بلغتم ذروته، فإن رجع عن دينه وإلا فاطرحوه – من فوق الجبل – فذهبوا به فصعدوا به الجبل، فقال – أي: الغلام – : اللهم اكفنيهم بما شئت، اللهم اكفنيهم بما شئت، فرجف بهم الجبل، فسقطوا إلا هو، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فدفعه إلى نفرٍ من أصحابه آخرين، قال: اذهبوا به فاحملوه في قرقور –والقرقور هو: السفينة – وتوسطوا به البحر – في منتصف البحر – فإن رجع عن دينه وإلا فاقذفوه، فذهبوا به، فقال: اللهم اكفنيهم بما شئت، فانكفأت بهم السفينة               – انقلبت – فغرقوا كلهم، وجاء يمشي إلى الملك، فقال له الملك: ما فعل أصحابك؟ قال: كفانيهم الله، فقال للملك – هذا الغلام – : إنك لست بقاتلي حتى تفعل ما آمرك به، قال: ما هو؟ قال: تجمع الناس في صعيدٍ واحد وتصلبني على جذعٍ، ثم خذ سهماً من كنانتي، ثم ضع السهم في كبد القوس، ثم قل: بسم الله رب الغلام، ثم ارم، فإنك إذا فعلت ذلك قتلتني، فجمع الناس في صعيدٍ واحد وصلبه على جذعٍ، وأخذ سهماً من كنانته، ثم وضع السهم في كبد القوس، ثم قال: بسم الله رب الغلام، ثم رماه فوقع السهم في صدغه – الصدغ من العين إلى شحمة الأذن – فوضع يده على صدغه في موضع السهم فمات، فقال الناس: آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، آمنا برب الغلام، فأتي الملك فقيل له: أرأيت ما كنت تحذر، قد والله نزل بك حذرك، قد آمن الناس، فأمر بالأخدود بأفواه السكك، فخُدَّت –حفرت في الطرق – وأضرم فيها النيران، وقال: من لم يرجع عن دينه فأقحموه فيها، أو قيل له: اقتحم، ففعلوا حتى جاءت امرأةٌ ومعها صبيٌ لها، فتقاعست أن تقع فيها رحمة بالولد، فقال لها الغلام: يا أمه! اصبري فإنك على الحق)).
     لنتأمل القصة كاملة ابتداءً من مرحلة الاستضعاف، لما كان الحق لا يعرفه إلا شخص واحد فقط، وحتى نهاية القصة وهي مرحلة إيمان الناس كلهم ، بل لنتأمل قصة الواقع الذي عاشه راوي الحديث وهو صهيب رضي الله عنه وكان مسلماً مضطهداً في قريش، يعذب ويُطارد ويُشرد ويُستولى على ماله، وقصة هجرته إلى المدينة معروفة .
    في حساب الأرض تبدو هذه الخاتمة أسيفة أليمة، فقد قتل الناس بإبادة جماعية بينما الفئة الباغية قاعدة تتفرج على المؤمنين وهم يحترقون :{ قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ}(سورة البروج:4-5)  ذات الاشتعال {إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ}(سورة البروج:6) هؤلاء الطغاة يتفرجون {وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ}(سورة البروج:7). ويتلذذون بصرخات المؤمنين وهم يحترقون، و صحيح أنه في حساب الدنيا هذه النتيجة مؤسفة وأليمة، وقد يعتبرها بعض الناس هزيمة، أي: قُتل الناس وما استفدنا شيئاً، لكن عند الله عز وجل ، في حساب الآخرة ، النتيجة أكبر من ذلك بكثير.
     -  قوم فرعون، السحرة ، وكان قوم فرعون مشتهرين بالسحر، فأتى فرعون بكل ساحر عليم، وهم أعظم السحرة.. قال ابن عباس : بلغوا سبعين ساحراً. وقال بعض المفسرين: بلغوا اثني عشر ألف ساحر. وقال بعضهم: بلغوا ثلاثين ألفاً، اجتمعوا عند فرعون يوم الزينة، وكان في الصف المقابل لهم موسى الضعيف الذي لا يملك إلا عصا، وعندما أتى السحرة قالوا لفرعون:{أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ}(سورة الشعراء:41) أي: يا فرعون! إذا غلبنا موسى وهارون هل لنا جزاء من أموال ومناصب؟{قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ}(سورة الشعراء:42) وموسى يكلمهم وينصحهم إعذاراً إلى الله جل وعلا: {قَالَ لَهُم مُّوسَى وَيْلَكُمْ لا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا فَيُسْحِتَكُمْ بِعَذَابٍ وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَى}(سورة طه:61)فإذا بالسحرة يتنازعون فيما بينهم، قال الله تعالى: {فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُم بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى}(سورة طه:62)بدأ الهمس بين السحرة ، وموسى ينظر، وحشود الناس ينتظرون، وفرعون ينظر مع حاشيته إلى ذلك الموقف، فكانوا يقولون:{قَالُوا إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُم مِّنْ أَرْضِكُم بِسِحْرِهِمَا وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ الْمُثْلَى (63) فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَى}(سورة طه:63-64)،{قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى}(سورة طه:65)لتنظر إلى التحدي! وإذا بموسى عليه السلام يرد عليهم بكلمة كالمستهزئ بهم : {قَالَ بَلْ أَلْقُوا}(سورة طه:66) ابدؤوا بالإلقاء والناس ينظرون، فإذا بألوف السحرة كل واحد يرمي عصاه والوادي أمامهم، فإذا بالوادي يموج بالثعابين والحيات ..  
  
{قَالُوا يَا مُوسَى إِمَّا أَن تُلْقِيَ وَإِمَّا أَن نَّكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقَى(65) قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى}(سورة طه:56-66)الناس خافوا، وبعض الجمهور تراجع من شدة الخوف، فالوادي كله قد امتلأ بالأفاعي وامتلأ بالحيات، هذا المشهد الذي يخبر الله عزَّ وجلَّ عنه بقوله: {قَالَ أَلْقُواْ فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُواْ أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاؤُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}(سورة الأعراف:116) قذف الرعب والرهبة في قلوب الناس، بل حتى موسى – عليه السلام – ، قال الله {فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى}(سورة طه:67) ولم يخف من الحيات والثعابين، إنما خاف على الناس، خاف أن يضل الناس وأن يكفروا، فرح فرعون واستبشر، نظر إلى ذلك السحر فازداد طغياناً وعتواً، فإذا بالوحي ينزل من السماء: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ}(سورة الأعراف:117)انقلبت عصاة موسى عليه السلام ثعباناً حقيقياً، فابتلعت كل الثعابين التي في الوادي {فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ}(سورة الأعراف:117) .
    يقول الله عز وجل:{فَوَقَعَ الْحَقُّ}(سورة الأعراف:118) يقول الله جلَّ وعلا: فوقع، وكأن الحق أمر ثقيل مستقر في الأرض يحطم ما تحته :{فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}(سورة الأعراف:118)وإذا بالسحرة يندهشون من الأمر:{فَغُلِبُواْ هُنَالِكَ وَانقَلَبُواْ صَاغِرِينَ}(سورة الأعراف:119).
     وإذا بالسحرة كلهم عن بكرة أبيهم يؤمنوا بالله جلَّ وعلا، وخروا على الأرض سجداً:{وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ}(سورة الأعراف:120)وقالوا {قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}(سورة الأعراف:121-122) {وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا}(سورة الإسراء:81).
     قال فرعون :{إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ}(سورة طه:71) أراد أن ينقذ نفسه من الموقف، انظروا إلى السخافة{قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ}(سورة الأعراف:123)، وتلفظوا بقولهم:{قَالُواْ آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ}(سورة الشعراء:47-48)،  كانوا قبل قليل يحاربون الله ويُكرهون الناس على الكفر، ويقولون لفرعون:{ أَئِنَّ لَنَا لأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ}(سورة الشعراء:41)، يــــريــــــــدون الدنيــــــا، وبعد لحظـــــات وإذا بالأجساد تخر لله سجداً قال الله عن فرعون:{آمَنتُم بِهِ قَبْلَ أَن آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَّكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُواْ مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ}(سورة الأعراف:123)، بدأ الآن يهـدد،  قــال:{ لأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلافٍ ثُمَّ لأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ}(سورة الأعراف:124) ماذا قال السحرة؟ لقد كانوا قبل قليل يريدون أمــــــوالاً ومناصب، ويريدون التقرب والتزلف للحاكم، أما الآن فأجابوا {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ}(سورة طه:72) لن نحكمك، ولن نختارك يا فرعون:{نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ}(سورة طه:72) لقد رأينا البينات ، قال بعض المفسرين : إنهم لما سجــــدوا كل واحد رأى منزله في الجنة ؛ لأنهم سجدوا يقيناً بالله تبارك وتعالى، وأقسموا على هـــــــذا:{وَالَّذِي فَطَرَنَا}(سورة طه:72) أي: نقسم بالذي فطرنا على هذا{فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ}(سورة طه:72)افعل يا فرعون ما تشاء ..{إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ}(سورة طه:73) ونفد فرعون ما توعدهم به، وصلبهم على جذوع النخل، وقطع الأيادي والأرجل، وأصبحوا كما قال ابن عباس رضي الله عنه: " أصبحوا سحرة وأمسوا شهداء بررة ".
       لقد انتصروا على الرغم أنهم قُتلوا، مع أنه قيل إنه لم يبق منهم شخص واحد، بماذا انتصروا؟ انتصروا بالثبات على المبادئ.
     وعندما تسلط فرعون على بني إسرائيل واستعبدهم  واستذلهم، ثم حصل ما حصل، فأمره الله عز وجل أن يخرج مع بني إسرائيل، فخرجوا فلحقهم فرعون وقومه حتى كانوا أمام الخطر المحدق، البحر أمامهم وفرعون وراءهم{ فَلَمَّا تَرَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ(61) قَالَ كَلاَّ إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ}(سورة الشعراء:61-62). في الماضي كان فرعون يقتل أبناءهم ويستحيي نساءهم، ومع ذلك يمكن أن يسلم بعضهم ويبقى، أما الآن فبنو إسرائيل محصورون وليس أمامهم إلا الإبادة، فقد شعروا بأن حياتهم منتهية فحصل لهم الفرج بأمر الله تعالـى{فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ (63) وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ (64) وَأَنجَيْنَا مُوسَى وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ}(سورة الشعراء:63-65).

     -  ومن ذلك التفاؤل العجيب الذي يبعث الجد والأمل في نفوس الأنبياء، وما حدث ليوسف – عليه السلام – في كل مراحل حياته لم يفارقه التفاؤل من حين بدأت مؤامرة أخوته على قتله ورميه في غيابة الجب ، ثم يباع رقيقاً ويباع بثمن بخس ، وهو الكريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم وهي شدة معنوية ، ثم تأتي مراودة المرأة له وتُصَدَّق المرأة مع بهتانها ثم يسجن وفي كل هذه الأحوال لم ييأس وعاش متفائلاً والنهاية{وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّواْ لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُم مِّنَ الْبَدْوِ مِن بَعْدِ أَن نَّزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِّمَا يَشَاء إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ}(سورة يوسف:100).
    -  يعقوب – عليه السلام – في أحلك وأشد ظروفه لم يفارقه التفاؤل ، وذلك عندما جاؤوا بنبأ حجز أخيهم في مصر، فيقول:{ قَالَ بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنفُسُكُمْ أَمْرًا فَصَبْرٌ جَمِيلٌ عَسَى اللَّهُ أَن يَأْتِيَنِي بِهِمْ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (83) وَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ وَابْيَضَّتْ عَيْنَاهُ مِنَ الْحُزْنِ فَهُوَ كَظِيمٌ}(سورة يوسف:83-84) ، ومع أنه في تلك الحالة، ومع حرج الموقف، ومع تلك الظروف، ومع قول بنيه:{قَالُواْ تَاللَّه تَفْتَأُ تَذْكُرُ يُوسُفَ حَتَّى تَكُونَ حَرَضًا أَوْ تَكُونَ مِنَ الْهَالِكِينَ}(سورة يوسف85). يقول لهم:{يَا بَنِيَّ اذْهَبُواْ فَتَحَسَّسُواْ مِن يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلاَ تَيْأَسُواْ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لاَ يَيْأَسُ مِن رَّوْحِ اللَّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}(سورة يوسف:87).
     فلنأخذ من يعقوب درساً، فيعقوب – عليه السلام – لم يفارقه التفاؤل أبـداً، وكذلك كـــان يوســف – عليه السلام – ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم.
     -  في قصة الإفك حين قُذفت عائشة – رضي الله عنها – بالزنا، فهل كان يدور في بالها حين سمعت هذه المقولة أن هذا الحدث سيكون خيراً لها؟ أو هل كان يدور في أحدٍ ممن عاش الحدث ذلك الوقت أن هذا خير لها؟ إلى أن نزل قول الله تبارك وتعالى:{لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ}(سورة النور:11) ، فبرأها الله سبحانه وتعالى من فوق سبع سماوات وهي كانت تقول كان شأني في نفسي أحقر من أن ينزل الله فيّ قرآناً وكان غاية ما تأملته رضي الله عنها أن يري الله تعالى نبيه رؤيا يراها فيها .
      وحديث الإفك الذي رميت به أم المؤمنين الصديقة بنت الصديق ما هو إلا حلقة من حلقات التآمر على الدعوة، ومحاولة تشويه رموزها، ذلك لأن العدو يعلم أن هذا الدين يقوم على المثال والنموذج والقدوة، تجري فصول هذه الحادثة في وقتٍ كان المسلمون فيه على موعدٍ مع العدوّ في إحدى الغزوات ، حيث خرج رسول الله صلى الله عليه و سلم في جيشه مصطحباً معه عائشة رضي الله عنها ، وفي طريق العودة توقّف الجيش للراحة والنوم ، وجلست عائشة رضي الله عنها في مركبها تترقّب لحظة المسير ، وتلمّست نحرها لتكتشف أنها أضاعت عقداً لأختها كانت قد أعارتْها إياه ، فما كان منها إلا أن نزلت من مركبها لتبحث عنه في ظلام الليل ، ولم تكن تدري أن المنادي قد آذن بالرحيل ، وأن الرجال قد جهّزوا رحلها ظانّين أنها بداخله ، وأن الجيش قد انطلق وتركها وحيدة في تلك الصحراء الموحشة .
     وما إن وجدت العقد حتى عادت مسرعة لتلحق بركب الجيش ، ولكن الوقت فات ، حيث لم تجد سوى الآثار التي خلّفوها وراءهم ، فحارت ولم تدر ما تصنع ، ثم فكّرت في العودة إلى موضع مركبها لعلّ الجيش يفتقدها ويرسل من يأتي بها ، وهكذا فعلت ، وجلست هناك حتى غلبها النوم في مكانها .
     وفي هــــذه الأثنــــاء ، كـان صفـــوان بن المعطــل السلمـــي – رضي الله عنه – يسير خلف الجيش ليحمل ما سقط من المتاع ، فأدركه الصباح في الموطن الذي كان فيه الجيش ، وإذا به يرى سواد امرأة نائمة ، فعرف أنها عائشة رضي الله عنها ، والتي أحسّت به فغطّت وجهها ، تقول عائشة – رضي الله عنها –: " فوالله ما كلمني كلمة ، ولا سمعت منه شيئاً غير قوله : إنا لله وإنا إليه راجعون " ، فنزل عن راحلته وطلب منها أن تصعد ، ولما ركبت الناقة انطلق بها مولّيا ظهره لها ، حتى استطاع أن يدرك الجيش في الظهيرة .
     ولم تمضِ سوى أيام قليلةٍ حتى انتشرت في المدينة إشاعاتٌ مغرضة وطعوناتٌ حاقدة في حقّ عائشة – رضي الله عنها –، روّجها ونسج خيوطها زعيم المنافقين عبد الله بن أبيّ بن سلول ، ووجدت هذه الافتراءات طريقها إلى عدد من المسلمين ، الذين تلقّوها بحسن نيّة ونقلوها إلى غيرهم ، كان منهم حسان بن ثابت الأنصاري – رضي الله عنه – شاعر النبي  صلى الله عليه و سلم ، و مسطح بن أثاثة – رضي الله عنه – أحد أقرباء أبي بكر الصديق – رضي الله عنه – ، و حمنة بنت جحش – رضي الله عنها – ابنة عمة النبي صلى الله عليه و سلم وأخت زوجته، وعصم الله من بقي من الصحابة عن الخوض في ذلك ، وكان لسان حالهم ومقالهم كما قال القرآن {وَلَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ}(سورة النور:16).
     وبلغت تلك الأحاديث سمع النبي صلى الله عليه و سلم فكان وقعها عليه شديداً ، ولنا أن نتصوّر المشاعر المختلفة التي كانت تدور في نفس النبي صلى الله عليه و سلم ، والمعاناة الطويلة التي عاشها في ظلّ هذه الأحداث ، وهو يرى الألسنة تنال من عرضه ، وتطعن في شرفه ، ولا يملك أن يضع لذلك حدّاً أو نهاية .
     وعلى الجانب الآخر ، لم تكن عائشة – رضي الله عنها – تدرك ما يدور حولها من أقاويل الناس ، فقد حلّ بها مرض ألزمها الفراش طيلة هذه المدّة ، إلا أنها أحسّت بتغيّرٍ في معاملة النبي صلى الله عليه و سلم ، فبعد أن كانت تجد منه اللمسة الحانية، والكلمة الرقيقة ، والمشاعر الفيّاضة ، إذا بها تفقد ذلك كلّه ، وتلحظ اقتصاره صلى الله عليه و سلم على الكلمات القليلة ، واكتفاءه بالسؤال عن حالها ، وهي تحاول أن تجد تفسيرا لهذا التحوّل المفاجئ .
     وفي ليلة من الليالي خرجت عائشة – رضي الله عنها – مع أم مسطح إلى الصحراء لقضاء الحاجة – كعادة النساء في ذاك الزمان – ، فتعثّرت أم مسطح بثوبها وقالت : " تعس مسطح " ، فاستنكرت عائشة – رضي الله عنها – منها هذا القول وقالت : "بئس ما قلت ، أتسبين رجلاً شهد بدراً ؟ " ، وعندها أخبرتها أم مسطح بقول أهل الإفك.
     وكانت مفاجأةً لم تخطر لها على بال ، وفاجعةً عظيمة تتصدّع لها قلوب الرّجال ، فكيف ببنت السادسة عشرة ؟ ، وهي تسمع الألسن توجّه أصابع الاتهام نحو أغلى ما تملكه امرأة عفيفة ، فكيف بزوجة نبي الله صلى الله عليه و سلم ؟ .
     وكان من الطبيعي أن تؤثّر هذه الإشاعة على صحّة عائشة – رضي الله عنها – فتزداد مرضاً على مرض ، ولم يمنعها ذلك من الوقوف على ملابسات القضيّة ، فبمجرّد أن عادت إلى البيت استأذنت رسول الله صلى الله عليه و سلم في الذهاب لأبويها، فلما رأتها أمها قالت : " ما جاء بك يا بنية  " فقصّت عليها الخبر ، وأرادت الأم أن تواسيها فبيّنت لها أن هذا الكلام حسدٌ لها على جمالها ومكانتها من النبي صلى الله عليه و سلم .
     ولم يعد هناك مجال للشك ، فها هي والدتها تؤكّد ذلك ، وعَظُم عليها أن تتخيّل الناس وهم يتحدثون في شأنها ، تقول عائشة – رضي الله عنها –: ".. فبكيت تلك الليلة لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم حتى أصبحت " ومع هذا كله بقيت متفائلة وتقرأ قوله تعالى :{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}(سورة يوسف:18).
     وطال انتظار النبي صلى الله عليه و سلم للوحي فاستشار علي بن أبي طالب و أسامة بن زيد – رضي الله عنهما – ، أما أسامة فأخبره بالذي يعلمه من براءة أهله ، وأما علي فقد أحسّ بالمعاناة النفسيّة التي يعيشها النبي صلى الله عليه و سلم ، فأراد أن يريح خاطره ، فأشار عليه بأحد أمرين : إما أن يفارقها ويتحقّق من براءتها لاحقاً ، وحينها يمكنه إرجاعها ، وإما أن يطّلع على حقيقة الأمر بسؤال بريرة مولاة رسول الله صلى الله عليه و سلم .
     فدعا رسول الله  صلى الله عليه و سلم بريرة وقال لها : (( هل رأيت من شيء يريبك ، فقالت : لا والذي بعثك بالحق ما علمت فيها عيباً )) ، ثمّ ذكرت  صغر سنّها وأنّها قد تغفل عن العجين الذي تصنعه حتى تأتي الشاة تأكله ، وسأل رسول الله صلى الله عليه و سلم زينب بنت جحش – رضي الله عنها – عن أمرها فقالــــــت : (( يا رسول الله، أحمي سمعي وبصري، ما علمت إلا خيراً )).
     وكانت هذه الشهادات كافيةً أن يصعد النبي صلى الله عليه و سلم المنبر، ويطلب العذر من المسلمين ، في رأس الفتنة عبد الله بن أبي بن سلول ، وذلك بقوله : (( يا معشر المسلمين ، من يعذرني من رجل قد بلغني أذاه في أهل بيتي ؟ ، فوالله ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلاً – يعني صفوان بن المعطّل – ما علمت عليه إلا خيراً، وما كان يدخل على أهلي إلا معي )) ، فقام سعد بن معاذ رضي الله عنه فقـــال : " يا رسول الله ، أنا أعذرك منه ، إن كان من الأوس ضربتُ عنقه ، وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك " ، فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج وقد أخذته العصبيّة فقال لسعد : " كذبت ، لا تقتله ولا تقدر على قتله " ، واختلف الأوس والخزرج ، وكاد الشيطان أن يُوقع بينهم ، فلم يزل رسول الله صلى الله عليه و سلم يهدّئهم حتى سكتوا .
     وبعد أن بلغت القضيّة هذا الحدّ ، لم يكن هناك مفرّ من الذهاب إلى عائشة – رضي الله عنها – لمصارحتها بالمشكلة واستيضاح موقفها ، فدخل عليها النبي صلى الله عليه و سلم ومعها امرأة من الأنصار ، فجلس النبي صلى الله عليه و سلم وتشهّد ثم قال : (( أما بعد ، يا عائشة ، فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك الله ، وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله وتوبي إليه ؛ فإن العبد إذا اعترف بذنبه ثم تاب إلى الله تاب الله عليه )) ، فلما سمعت قوله جفّت دموعها ، والتفتت إلى أبيها فقالت : " أجب رسول الله فيما قال " ، فقال : " والله ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه و سلم " ، ثم التفتت إلى أمّها فكان جوابها كجواب أبيها ، وعندها قالت : " لقد سمعتم هذا الحديث حتى استقرّ في أنفسكم وصدقتم به ، فلئن قلت لكم أني منه بريئة – والله يعلم أني منه بريئة – لا تصدقوني بذلك ، ولئن اعترفت لكم بأمر – والله يعلم أني منه بريئة – لتصدقنّني ، وإني والله ما أجد لي ولكم مثلاً إلا قول أبي يوسف حين قال :{فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ}(سورة يوسف:18).
    ثم استلقت – رضي الله عنها – على فراشها ، وهي تستعرض الحادثة في ذهنها منذ البداية وحتى هذه اللحظة، وبدا لها أن آخر فصول هذه القصّة ستكون رؤيا يراها النبي صلى الله عليه و سلم تُثبت براءتها ، ولكنّ الله سبحانه وتعالى أراد أن يخلّد ذكرها إلى يوم القيامة ، وإذا بالوحي يتنزل من السماء يحمل البراءة الدائمة ، والحجة الدامغة في تسع آيات بيّنات ، تشهد بطهرها وعفافها ، وتكشف حقيقة المنافقين ، فقال تعالى :{إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالإِفْكِ عُصْبَةٌ مِّنكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَّكُم بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(سورة النور:11).
     وانفرج الكرب ، وتحوّل حزن الرسول صلى الله عليه و سلم فرحاً ، فقال لها: (( أبشري يا عائشة ، أمّا الله عز وجل فقد برّأك )) ، وقالت لها أمها : " قومي إليه " ، فقالت عائشة – رضي الله عنها –امتناناً بتبرئة الله لها ، وثقةً بمكانتها من رسول الله صلى الله عليه و سلم ومحبته لها : " والله لا أقوم إليه ، ولا أحمد إلا الله عز وجل".
     فكانت رضي الله عنها متفائلةً في جميع أوقاتها وفي أيام محنتها بالذّات ، كما أنها كانت مستبشرة بظهور الحق لها وذلك برؤيا يريها الله تعالى نبيه صلى الله عليه و سلم ، فكانت براءتها بآيات تتلى إلى يوم القيامة .
     -  ومثل ذلك ما حصل لمريم حينما حملت بعيسى حتى قالت:{يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا}(سورة مريم: 23) فكان خيراً لها فحملت بنبيٍّ من أولي العزم من الرسل.
     -  وقد كان صلى الله عليه و سلم في أصعب الظروف والأحوال يبشر أصحابه بالفتح والنصر على الأعداء، وفي هجرته إلى المدينة وهو فارٌّ بدينه باحثاً عن موطئ قدم لدعوته نجده صلى الله عليه و سلم يبشر عدواً يطارده يريد قتله بكنز سيناله وسوار مَلِكٍ سيلبسه، وأعظم من ذلك دين حق سيعتنقه، وينعم به ويسعد في رحابه.
     -  ذكر الإمام البخاري في صحيحه  عن الزهري قال : (أخبرني عبد الرحمن بن مالك المدلجي وهو ابن أخي سُراقة بن جعشم ، أن أباه أخبره أنّه سمع سُراقة بن جعشم يقول : جاءنا رُسل كُفار قريش يَجعلون في رسول الله صلى الله عليه و سلم دِية كُل واحد منهما من قَتله أو أسره ، فبينما أنا جالس في مَجلس من مَجالس قومي بني مُدلج ، أقبل رجل منهم حتى قام علينا ونحن جالسون فقال : يا سُراقة إني قد رأيت آنفاً أسودة في الساحل ، أراها محمداً وأصحابه ، قال سُراقة      – فعرفت أنهم هم – فقلت له : إنهم ليسوا بهم ، ولكنك رَأيت فلاناً وفلاناً انطلقوا بأعيننا ، ثم لبثت في المجلس ساعة ، ثم قمت فدخلت فأمرت جاريتي أن تَخرج بفرسي ، وهي من وراء أكمة فتحبسها علي ، وأخذت رُمحي  فخرجت به من ظَهر البيت فخططت بزجه الأرض ، وخفضت عاليه ، حتى أتيت فرسي فَركبتها، فَرفعتها تَقرب بي حتى دَنوت منهم ، فعثرت بي فرسي ، فخررت عنها فقُمت، فأهويت يَدي إلى كنانتي فاستخرجت منها الأزلام ، فاستقسمت بها : أضرهم أم لا ؟ فخرج الذي أكره ، فركبت فرسي وعصيت الأزلام تقرب بي ، حتى إذا سمعت قِراءة رسول الله صلى الله عليه و سلم وهو لا يلتفت وابو بكر يُكثر الالتفات ساخت يدا فرسي في الأرض حتى بلغتا الركبتين ، فخررت عنها ، ثم زجرتها فنهضت ، فلم تكد تخرج يديها ، فلما استوت قائمة إذا لأثر يديها عثان ساطع في السماء ، مثل الدخان فاستقسمت بالأزلام ، فَخرج الذي أكره ، فناديتهم بالأمان ، فوقفوا فركبت فرسي حتى جئتهم ، ووقع في نفسي حين لقيت ما لَقيت من الحبس عنهم أن سيظهر أمر رسول الله صلى الله عليه و سلم ، فقلت له : إنّ قَومك قد جَعلوا فيك الدية ، وأخبرتهم أخبار ما يُريد الناس بهم ، وعَرضت عليهم الزاد والمتاع ، فلم يرزآني ولم يسألاني إلا أن قال : اخف عنا ، فسألته أن يكتب لي كِتاب أمن ، فأمر عامر بن فهيرة فكتب من رقعة من أدم ، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه و سلم)( صحيح البخاري ، متن فتح الباري ، (8/239-242).
     (ولما رجع سراقة جعل لا يلقى أحداً من الطلب إلاّ رده ، وقال : كفيتم هذا الوجه ، فلما ظهر أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قد وصل إلى المدينة جعل سراقة يقص على الناس ما رأى وشاهد)( البداية والنهاية لابن كثير (3/204).
     ومضت السنون والأعوام ، ونصر الله رسوله صلى الله عليه و سلم وفتح مكة، ثم الجزيرة العربية ، ثم ساح المسلمون في الأرض فاتحين ، ففتحوا في عهد عمر كنوز كسرى ، وأخذ عمر بن الخطاب رضي الله عنه السوارين ، ونادى في الناس أين سُراقة بن مالك ؟ فيجده فإذا هو قد شاخ فأعطاه سواري كسرى وقال له : ( إلبسهما واصعد المنبر وارفع يديك ، وقل صدق الله ورسوله ) ، وقد تحقق وعد الرسول صلى الله عليه و سلم بعد وفاته بسنوات، ولذا ينبغي ألا نستعجل النتائج .
     إن الأحداث السيئة قد تكون خيراً ، والمتفائلون هم الذين يبحثون في الأحداث عن البشائر والمبشرات، وليسو هم أولئك الذين يسيطر عليهم اليأس والقنوط .
      حينما يأتي إلينا في قرية فيها فقر مدقع وجهل وتخلف، رجل متفائل ورجل متشائم، فالرجل المتشائم كل ما يراه في هذه القرية يزيده إحباطاً، إنه يشعر أن الأمية منتشرة، ومستوى التعليم فيها لا يشجع، وفيها فقر، وليس فيها بنية اقتصادية، ليس فيها طرق، ولا إمكانات، لا بيئة يمكن أن تهيئ للاستثمار أو تحرك النشاط الاقتصادي في البلد، والناس يعانون من البطالة والأمراض وغيرها، هذه نظرته وكل ما يراه فيها يؤيد عنده هذه الحقيقة.
أما المتفائل فيرى أن هذه القرية تعيش وضعاً سيئاً، لكنه يلتمس الجوانب التي يمكن أن تنطلق منها، يقول إن البلد فيها بطالة، ولكن يمكن أن نستفيد منها ويمكن أن نشغل هؤلاء ولو بأجور محدودة، هؤلاء يمكن أن يكونوا نواة لمشاريع تحيي البلد، ويمكن أن يكون فيها بيئة جيدة للتعليم. فالموقف الواحد ينظر إليه هذا الرجل بأنه سلبي وينظر إليه الآخر بأنه إيجابي.
     وحينما نعيش روح التفاؤل فإن الأحداث التي تواجهنا ينبغي أن نتعامل معها بتوازن، نعم نحن لا نعيش في أحلام، ولا نتغافل عن المخاطر لكن إذا كنا نريد الإصلاح والتغيير فلنبحث عن الجوانب والثغرات التي يمكن من خلالها أن نصلح ونصل إلى الهدف المنشود.
     لو جاء لص يريد أن يسرق بنكاً من البنوك، فهو يبحث عن نقطة الضعف التي يمكن أن يصل منها، إنه حين يأتي هذا المبنى ويجده محصناً، ثم يجد ثغرة محدودة يستطيع أن يتسلل من خلالها فكل نظرته مسلطة على هذه الثغرة، ليحصل من خلالها على ما يريد، ثم يخرج وكل العوامل الأخرى التي هي بالنسبة له تمثل خطراً يتغافل عنها.
لماذا لا نتعامل مع الأحداث التي تواجهنا بهذه الروح؟ لم لا نبحث عن مواطن الثغرات التي يمكن أن نستثمرها؟ التغير الهائل الذي سيواجهنا اليوم لماذا لا نبحث عن كيفية استثماره في الإصلاح وتغيير واقع المسلمين ؟ صحيح أنك ترى في مجمله شراً لا يؤذن بخير وأن الأمر لو كان بأيدينا لما تمنينا أن يحصل، لكن ليست مسؤوليتنا أن نبحث عن جوانب الخطورة، والذي ينبغي أن نفكر فيه أن نبحث عن نقاط نتسلل من خلالها ونستثمر مثل هذه الأحداث لتكون منطلقاً لإصلاح أوضاعنا.
     -  بل إن الأوضاع السيئة يمكن استثمارها بالإصلاح، فالأفراد الذين لديهم رغبة في التغيير يستثمرون واقعهم السيئ لينطلقوا من خلاله إلى الإصلاح، وأضرب على ذلك مثالاً: حين جيئ بالإمام أحمد – رحمه الله – ليجلد في الفتنة ووضعوه في السجن مع اللصوص وقطاع الطرق وأتوا به ليجلد أمسك به رجل وقال: أتعرفني قال لا، فذكر له ما هو عليه من السرقة وقطع الطريق، وقال: أني جُلدت كذا وكذا في السرقة فلم يردني ذلك عن السرقة، وأنت تجلد على الحق فأنت أولى مني أن تثبت، هذا رجل مجرم ولا يزال مصراً على الجريمة، ولكن عنده بذرة خير جاء لينصح الإمام أحمد ويثبته، يبحث عن شيء شاهد من واقعه ينطلق به فلا يجد إلا تاريخ فساد فيستغل تاريخه في الفساد ليكون منطلقاً ليثبت من خلاله الإمام أحمد.
     ومن نماذج الأحداث التي لا يُرى منها إلا الوجه المسيء وفيها الخير ونحن لا نعلم ما جاء
 في سيرة النبي
صلى الله عليه و سلم نماذج عدة، ومنها:
     -  حادثة الهجرة، فقد حاصر المشركون بيت النبي صلى الله عليه و سلم حتى أنه صلى الله عليه و سلم لم ينم في بيته وخرج وصاحبه إلى الغار واختفيا فيه سلكا طريقاً، وكان المشركون قد استنفروا قواهم ليظفروا بمحمد صلى الله عليه و سلم وصاحبه حياً أو ميتاً، وبلغ الأمر غاية الشدة فما الذي حصل بعد ذلك؟ استقر المسلمون وأقاموا الدولة، وبنوا المسجد وصلوا مطمئنين.
     -  جاءت غزوة الأحزاب بعد ما أصاب المسلمين ما أصابهم في غزوة أحد يريدون أن يقضوا على هذه الطائفة تماماً، وجيشوا الجيوش وجاءت الآلاف المؤلفة من الأحزاب إلى المدينة وحاصرتها، اليهود من ورائهم والأحزاب من أمامهم، حتى صار الأمر كما قال الله عز وجل:{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَّمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا (9) إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا (10) هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا}(سورة الأحزاب:9-11) حتى بلغ بهم الأمر كما قال حذيفة – رضي الله عنه – : كان أحدهم لا يستطيع أن يذهب ليقضي حاجته لوحده وحوصروا حصاراً صارماً، والموقف ليس حرباً متكافئة الطرفين أو أنه ستغلب مجموعة وتنهزم الأخرى، إنما الموقف في غاية الخطر والخطر الداهم الذي يمكن أن يجتاح المدينة كلها ويبيدها تماماً، حتى نجم النفاق وقالوا ما وعدنا الله ورسوله إلا غروراً كانت النتيجة أن قال صلى الله عليه و سلم ((الآن نغزوهم ولا يغزوننا)).
     -  جاء صلح الحديبية واشترط المشركون شروطاًوكان الذي سخطه المسلمون هو أن من جاء من المسلمين إليهم يعيدونه إلى المشركين، والمسألة ليست شرطاً فحسب إنما هو موقف يثير العواطف، يجيء أبو جندل يرسف في قيوده، فيقول أبوه للنبي صلى الله عليه و سلم : هذا أول ما أقاضيك عليه أن تعيده، فيسأله الرسول صلى الله عليه و سلم أن يدعه فيقول : لا، فيقول أبو جندل: يا معشر المسلمين أرد إلى المشركين يفتنونني في ديني. وتزامن هذا الموقف مع الشرط الذي حتم عليهم ترك العمرة هذا العام، والعودة من العام المقبل، حتى فعل عمر – رضي الله تعالى – عنه ما ندم عليه، وبعد ذلك كله ما الذي حصل؟
    
كان هذا الصلح خيراً للمسلمين كان فتحاً حتى أنزل الله قوله:
{إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُّبِينًا}(سورة الفتح:1) والشرط الذي اشترطه المشركون كان فيه الخير، فقد هرب أبو بصير رضي الله عنه وجاء إلى النبي صلى الله عليه و سلم ورده، وهرب إليه ضعفاء المسلمين وهددوا قريشاً حتى جاءت قريش ترجوه أن يتنازل ويقبل ضعاف المسلمين.
     ومن نتائجه أيضاً أنه لما صالح المشركين وأمن شرهم تفرغ المسلمون لليهود في خيبر وقضوا عليهم، وتفرغوا للمناطق الأخرى التي حول المدينة وانتشرت دعوة الإسلام حتى صار عدد الذين دخلوا الإسلام من صلح الحديبية حتى فتح مكة أكثر من الذين دخلوا الإسلام منذ أن جاء النبي صلى الله عليه و سلم إلى صلح الحديبية، فانظر كيف كان الصلح ثم حين نقضت قريش هذا الصلح كان سبباً في فتح مكة، وخيراً للمسلمين.
     -  مات النبي صلى الله عليه و سلم وأصاب المسلمين ما أصابهم وارتدت بعض قبائل العرب حتى ما بقي إلا المدينة ومكة والطائف ومن حولهم من الصادقين، حتى كادت طائفة منهم تشعر باليأس ثم فرج الله تعالى لهم فما أن انتهت خلافة أبي بكر الصديق – رضي الله تعالى – عنه التي لم تتجاوز السنتين وبضعة أشهر حتى أخضعت الجزيرة العربية كلها، وعاد المرتدون إلى دولة الإسلام وبدأت الفتوحات في بلاد فارس والروم، وبدأ المسلمون يغزون فارس والروم بعد سنتين وبضعة أشهر.
     خرج الرسول صلى الله عليه و سلم من مكة فأقام في المدينة دولةً ملأت سمع التاريخ وبصره .
    وأذكر في هذا المقام كلاماً نفيساً لأبي الفرج بن الجوزي من صيد الخاطر يعبر عن هذه المفاهيــــم فيقــــول – رحمه الله – : " من نزلت به بلية ، فأراد تمحيقها (ذهابها) فليتصورها أكثر مما هي تهن (عليه ) ، وليتخيل ثوابها (الذي يأتي بعد المصيبة ) وليتوهم نزول أعظم منها ، يرى الربح في الاقتصار عليه (يعني أنه إذا جاءته مصيبة فيرى أنها يسيرة بالنسبة لما هو أكبر منها ) وليتلمح سرعة زوالها (الأمل ) فإنها لولا كرب الشدة ما رجيت ساعات الراحة وليعلم أن مقامها عنده كمدة مقام الضيف يتفقد حوائجه في كل لحظة فيها سرعة انقضاء مقامه " انتهى كلامه – رحمه الله –.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق